
بقلم: محمد علوي عضو بمجموعة الشعلة
alaoui.81@hotmail.fr
في بلاد المارتينك المغمورة تدين المعرفة بالولاء لطبيب نفسي و فيلسوف شهير، كان شجاعا في استنكاره للسياسات العنصرية دوليا كما حارب ضد المد النازي في الحرب العالمية الثانية، إلى جانب براعته و هو يؤذي خدماته الطبية في الجزائر الكولونيالية.
في الواقع، لم يكن الغرض هو إعطاء صورة بانورامية ل"فرانز فانون"،و لا حتى استعراض حركة التاريخ و سيرة الرجل داخل تموجاته، فسيرة الرجل تتحدث عنه، غير أن ما يهم أن كتابه "معذبو الأرض" يحتاج لأكثر من قراءة ، ليس لأنه كتابا مغرقا في التشاؤم، جاعلا من تيمة العنف الدولي أحد أسس العلاقات الاجتماعية ، و لكن لأن البعد الرمزي للعطالة و الوضع الاعتباري للأطر العليا المعطلة في مغرب الألفية الثالثة، يكاد ينطق بحقيقة واحدة تحيل تلقائيا على أن للأرض المغربية معذبوها أيضا.
قد تفهم معاناة فلاح مع قساوة الطبيعة، وقد تستساغ مأساة صانع أو مقاول وهو يواجه تداعيات أزمة عالمية خانقة، في جو الانفراج وطنيا حتى لا يتهمنا أحد بالاستغراق في رؤية الأمور بمنظار أسود... و رغم ذلك فعطالة الأطر العليا المعطلة لا يمكن فهمها خارج سياق اعتبارها تركيبة خماسية، لتواطؤات خفية ومعلنة و صراع إرادات ثم عذابات ذاكرة جماعية في حاجة لنقد سوسيولوجي يكشف عن جراحات كرستها آليات الإخضاع و المراقبة.
خارج سياق الخطابات الرسمية المميعة للذوق و الإحساس، و في مقاربة الملف، ابتلعت مجموعات المعطلين جرعات التخدير فيما يشبه التنويم المغناطيسي، لرأب الصدع النفسي و راهنت على أن جولاتها الحوارية مع الماسكين بخيوط الملف أوشكت على تحقيق طموح مشروع ينه أو حتى يختصر مسافة التيه و الضياع التي تختزلها الأمكنة التي اعتاد على ارتيادها المعطلون، غير أن الانتقال المعكوس من الخطاب إلى الممارسة أفرز وضعا غريبا تم التسويق له بمقاربة تضرب في العمق كبرياء باحث مغربي تم هدره و التنكيل به لسنوات قبل أن تقدم له هدية ملغومة في صيغة مباريات عنوانها الكبير:توظيف تعاقدي بشروط تعجيزية، تحقيرية، تهافتية، لا علاقة لها بدعم البحث العلمي و المعرفة، و في أساسها تكرس حقيقة المفارقات الغريبة التي تطبع خطابا ذوغمائيا لمسؤول يقدم حلولا افتراضية و في ذهنه قناعة راسخة تحيل على سلوك "سكيزوفريني" معروف و مألوف يغذي الهوة العميقة بين الخطاب و الممارسة، خطاب مفعم بالأمل، و ممارسة تراهن على "اغتيال المستقبل" ووأد الأحلام.
لم يكن "اغتيال المستقبل" تعبيرا واهيا لجرح كبرياء النخب المهزومة ولا تحاملا جارفا على درجة المجهود المبذول في مقاربة معضلات بنيوية، بقدر ما كان ذلك المعطى تعبيرا موضوعيا ملخصا لحصيلة معاناة اجتماعية و نفسية تكرر نفسها ، و كأنها تحترم التاريخ الدوري لتكرار الظواهر، كالمجاعات و الأوبئة.
عادة في قراءة السلوك الاحتجاجي السلمي لمجموعة الشعلة للأطر العليا المعطلة ، تنتصب صور مأساة قاتمة اللون، لم يبدد من قتامتها سوى قناعة أعضاء المجموعة وانضباطهم النضالي ، إيمانهم بمشروعية الحق و عدالة القضية، و فوق هذا و ذاك حضور وتجدر سلوك تلقائي للصمود العفوي، مما أربك حسابات و خطط المثبطين في محاولتهم الإجهاز على التجربة النضالية لمجموعة حافظت على نسقها في رحلة الشتاء و الصيف، و هي على أهبة إتمام السنة الأولى لتأسيسها.
في استقراء الحصيلة النضالية للمجموعة تبدو الحاجة ماسة لاستحضار تاريخ الزعامات وسوسيولوجيا النخب و سيكولوجية المعطلين، غير أن لسان الحال يقول أن رؤية من الداخل لشهور و سنوات الضياع قد تكون تعبيرا مجسدا عن عمق الوفاء لتجربة كانت الجموع العامة فيما يبدو مجالا لنقدها و تقويم اختلالاتها، فيما شكل الميدان عنصرا شاهدا على أن شرعية مبدأ الحق في تشغيل يقترن بالكرامة ستظل تصارع ما يمكن أن يعترض الممارسة النضالية من التباس.
بحلول 13 غشت 2009 إذن تكون قد مرت سنة بالتمام والكمال على تأسيس المجموعة ، سنة اختزلت في عمقها سمات التحول و التطور، كما أكدت حصيلتها أن لكل تجربة إمكانيات للنجاح و احتمالات للتعثر إن لم تحسن المسير في درب عسير تعتريه حقول ألغام كاتمة للصوت و تعبر في العمق عن حيرة و دهشة كبيرتين تتولد عنهما أسئلة محرجة لحالة القلق الفكري.
بكلمة،تختصر فصول الكلام، تحية تقدير ووفاء لكل أطر الشعلة ، مكتبا و قواعد و لجن متخصصة، ما دام الجميع متشبتا بأمل وسط زوبعة عواصف القمع اليومي و الاضرابات الطعامية والاعتصامات والاقتحامات التي أثثت المسار في ثوب مجموعة حاولت منذ بداياتها الأولى تثبيت الاسس و بناء الذات النضالية في ساحة متعددة التشكيلات، صحيح أن وحدة القضية والمصير كان بامكانها أن تخلق ،من خلال تلك التشكيلات، تكثلا ضاغطا و قويا في مواجهة اليات التماطل و التسويف الرسمي، لو أن تشكيلة من "قبيلة" المعطلين تخلت عن أنانيتها المفرطة ...و مع ذلك فالأمر يبدو منطقيا في الحالة المغربية، إذا استحضر الجميع تعبير"كلود بلازولي" و هو يقارب التجربة الحزبية المغربية في ثوب الانشطار، مع أن الباحث الامريكي تجاهل الاشارة إلى أن الانشطار الحزبي ستنتقل عدواه وتصيب شذراته صفوف المعطلين، حيث تناسل المجموعات يعطي الانطباع على أن لكل "قبيلة" عطالتها و مفهومها للعطالة ووجهة نظرها إزاء المعضلة، بل و تصورها لحل قد يضع البعض في صفوف "الأغلبية" فيما ترمي حسابات ضيقة بأخرى في صفوف "المعارضة". وإلى الشهر القادم.
الرباط في: 08-08-2009
alaoui.81@hotmail.fr
في بلاد المارتينك المغمورة تدين المعرفة بالولاء لطبيب نفسي و فيلسوف شهير، كان شجاعا في استنكاره للسياسات العنصرية دوليا كما حارب ضد المد النازي في الحرب العالمية الثانية، إلى جانب براعته و هو يؤذي خدماته الطبية في الجزائر الكولونيالية.
في الواقع، لم يكن الغرض هو إعطاء صورة بانورامية ل"فرانز فانون"،و لا حتى استعراض حركة التاريخ و سيرة الرجل داخل تموجاته، فسيرة الرجل تتحدث عنه، غير أن ما يهم أن كتابه "معذبو الأرض" يحتاج لأكثر من قراءة ، ليس لأنه كتابا مغرقا في التشاؤم، جاعلا من تيمة العنف الدولي أحد أسس العلاقات الاجتماعية ، و لكن لأن البعد الرمزي للعطالة و الوضع الاعتباري للأطر العليا المعطلة في مغرب الألفية الثالثة، يكاد ينطق بحقيقة واحدة تحيل تلقائيا على أن للأرض المغربية معذبوها أيضا.
قد تفهم معاناة فلاح مع قساوة الطبيعة، وقد تستساغ مأساة صانع أو مقاول وهو يواجه تداعيات أزمة عالمية خانقة، في جو الانفراج وطنيا حتى لا يتهمنا أحد بالاستغراق في رؤية الأمور بمنظار أسود... و رغم ذلك فعطالة الأطر العليا المعطلة لا يمكن فهمها خارج سياق اعتبارها تركيبة خماسية، لتواطؤات خفية ومعلنة و صراع إرادات ثم عذابات ذاكرة جماعية في حاجة لنقد سوسيولوجي يكشف عن جراحات كرستها آليات الإخضاع و المراقبة.
خارج سياق الخطابات الرسمية المميعة للذوق و الإحساس، و في مقاربة الملف، ابتلعت مجموعات المعطلين جرعات التخدير فيما يشبه التنويم المغناطيسي، لرأب الصدع النفسي و راهنت على أن جولاتها الحوارية مع الماسكين بخيوط الملف أوشكت على تحقيق طموح مشروع ينه أو حتى يختصر مسافة التيه و الضياع التي تختزلها الأمكنة التي اعتاد على ارتيادها المعطلون، غير أن الانتقال المعكوس من الخطاب إلى الممارسة أفرز وضعا غريبا تم التسويق له بمقاربة تضرب في العمق كبرياء باحث مغربي تم هدره و التنكيل به لسنوات قبل أن تقدم له هدية ملغومة في صيغة مباريات عنوانها الكبير:توظيف تعاقدي بشروط تعجيزية، تحقيرية، تهافتية، لا علاقة لها بدعم البحث العلمي و المعرفة، و في أساسها تكرس حقيقة المفارقات الغريبة التي تطبع خطابا ذوغمائيا لمسؤول يقدم حلولا افتراضية و في ذهنه قناعة راسخة تحيل على سلوك "سكيزوفريني" معروف و مألوف يغذي الهوة العميقة بين الخطاب و الممارسة، خطاب مفعم بالأمل، و ممارسة تراهن على "اغتيال المستقبل" ووأد الأحلام.
لم يكن "اغتيال المستقبل" تعبيرا واهيا لجرح كبرياء النخب المهزومة ولا تحاملا جارفا على درجة المجهود المبذول في مقاربة معضلات بنيوية، بقدر ما كان ذلك المعطى تعبيرا موضوعيا ملخصا لحصيلة معاناة اجتماعية و نفسية تكرر نفسها ، و كأنها تحترم التاريخ الدوري لتكرار الظواهر، كالمجاعات و الأوبئة.
عادة في قراءة السلوك الاحتجاجي السلمي لمجموعة الشعلة للأطر العليا المعطلة ، تنتصب صور مأساة قاتمة اللون، لم يبدد من قتامتها سوى قناعة أعضاء المجموعة وانضباطهم النضالي ، إيمانهم بمشروعية الحق و عدالة القضية، و فوق هذا و ذاك حضور وتجدر سلوك تلقائي للصمود العفوي، مما أربك حسابات و خطط المثبطين في محاولتهم الإجهاز على التجربة النضالية لمجموعة حافظت على نسقها في رحلة الشتاء و الصيف، و هي على أهبة إتمام السنة الأولى لتأسيسها.
في استقراء الحصيلة النضالية للمجموعة تبدو الحاجة ماسة لاستحضار تاريخ الزعامات وسوسيولوجيا النخب و سيكولوجية المعطلين، غير أن لسان الحال يقول أن رؤية من الداخل لشهور و سنوات الضياع قد تكون تعبيرا مجسدا عن عمق الوفاء لتجربة كانت الجموع العامة فيما يبدو مجالا لنقدها و تقويم اختلالاتها، فيما شكل الميدان عنصرا شاهدا على أن شرعية مبدأ الحق في تشغيل يقترن بالكرامة ستظل تصارع ما يمكن أن يعترض الممارسة النضالية من التباس.
بحلول 13 غشت 2009 إذن تكون قد مرت سنة بالتمام والكمال على تأسيس المجموعة ، سنة اختزلت في عمقها سمات التحول و التطور، كما أكدت حصيلتها أن لكل تجربة إمكانيات للنجاح و احتمالات للتعثر إن لم تحسن المسير في درب عسير تعتريه حقول ألغام كاتمة للصوت و تعبر في العمق عن حيرة و دهشة كبيرتين تتولد عنهما أسئلة محرجة لحالة القلق الفكري.
بكلمة،تختصر فصول الكلام، تحية تقدير ووفاء لكل أطر الشعلة ، مكتبا و قواعد و لجن متخصصة، ما دام الجميع متشبتا بأمل وسط زوبعة عواصف القمع اليومي و الاضرابات الطعامية والاعتصامات والاقتحامات التي أثثت المسار في ثوب مجموعة حاولت منذ بداياتها الأولى تثبيت الاسس و بناء الذات النضالية في ساحة متعددة التشكيلات، صحيح أن وحدة القضية والمصير كان بامكانها أن تخلق ،من خلال تلك التشكيلات، تكثلا ضاغطا و قويا في مواجهة اليات التماطل و التسويف الرسمي، لو أن تشكيلة من "قبيلة" المعطلين تخلت عن أنانيتها المفرطة ...و مع ذلك فالأمر يبدو منطقيا في الحالة المغربية، إذا استحضر الجميع تعبير"كلود بلازولي" و هو يقارب التجربة الحزبية المغربية في ثوب الانشطار، مع أن الباحث الامريكي تجاهل الاشارة إلى أن الانشطار الحزبي ستنتقل عدواه وتصيب شذراته صفوف المعطلين، حيث تناسل المجموعات يعطي الانطباع على أن لكل "قبيلة" عطالتها و مفهومها للعطالة ووجهة نظرها إزاء المعضلة، بل و تصورها لحل قد يضع البعض في صفوف "الأغلبية" فيما ترمي حسابات ضيقة بأخرى في صفوف "المعارضة". وإلى الشهر القادم.
الرباط في: 08-08-2009
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire