vendredi 11 septembre 2009

قصة رجل قيل له أخطأت الطريق

بقلم : صالح المغبر عضو مجموعة الشعلة
كنت أتمنى أن أكتب عن قصة حزينة في منبر آخر، غير هذا. لسبب بسيط هو أن هذا المنبر لا تعرفه إلا فئة قليلة من الناس. فئة المعطلين وغيرهم قليل جدا. لكن لم يكن بالإمكان نشر ما سأكتبه الأن إلا في هذا المنبر. موقع مجموعة الشعلة للأطر العليا المعطلة.
هي حكاية محزنة وفريدة في آن. كيف لا تكون محزنة وفريدة وصاحبها إطار معطل عن العمل مند مدة طويلة. أقول معطل وليس بعاطل، يجب أن ننتبه إلى المفهومين جيدا. أنا معطل عن العمل، لا أختار العطالة بل فرضت علي في بلد هو المغرب وفي مجتمع مغربي يائس يبحث عن تجديد نفسه بنفسه. أنا فرد من هذا المجتمع، أريد أن أغيره، مثل ما يريد كل فرد ـ معطل ـ تغييره. طبعا نريد أن نغير مجتمعنا إلى الأفضل، وسنغيره.
قمت بواجبي الوطني كما يجب. حصلت على شواهد عليا لم يحصل عليها إلا نسبة قليلة من الناس. شواهد وقع عليها رؤساء الجامعة. لأجد نفسي مباشرة بعد حصولي على الشهادة ـ الماستر ـ في شوارع و أزقة الرباط، حاملا معي 20 سنة من الدراسة. سنوات ذقت فيها مرارة الحياة وحلاوتها. أسرة فقيرة. عشت بين أفرادها مرفوع الرأس. أسرة بسيطة تقليدية ولكنها تقدس العلم، لذلك كانت تبدل الغالي والنفيس في سبيل إتمام دراستي. رغم النقص المادي كنت سعيدا، لأن البحث عن العلم كان يشعرني بغبطة كبيرة. غبطة أصبحت أفتقدها الأن.
لاشك أنني خيبت ظن عائلتي. كانت تأمل أن أحصل على عمل بعض حصولي على الشهادة العليا. لكن للأسف لم يتحقق ذلك حتى الأن. عدم حصولي على عمل جعل كل أفراد العائلة يفقدون ثقتهم بمغرب اليوم. المغرب الذي لا يستطيع توظيف أطر عليا لايعول عليه. هذا هو الشعار الذي يردده علي كل صغير وكبير من أفراد العائلة، والبعض الآخر يقول لي لقد أخطأت الطريق، ماكان يجب عليك أن تسلك هذا المسار. ماكان عليك أن تدرس أبدا. طبعا هذه الفئة من الناس لم أكن أنتبه إليها، ولن أنتبه، لأنها لا تعنيني. زاد غضب عائلتي عندما رآتني في شوارع الرباط محاصرا من طرف جيش السيد العنيكري. اليأس لا يفارق أفراد عائلتي الصغيرة. أصبحت أحس بحرج كبير كلما جلست بجانبي أمي. أخي. أختي. أصدقائي. صامت في أغلب الأوقات. من وقت لآخر أقرأ بعض كتب الشعر والنقد وبعض الجرائد المغربية المستقلة. أقرأها في بيتي الخاص أو في بعض المقاهي التي اعتدت على الجلوس فيها صحبة الأصدقاء الطلبة.
لم أفكر يوما أني سأصبح معطلا عن العمل. كان شغلي الشاغل هو الدراسة وتحصيل مستوى علمي معين، يسمح لي بالإنضمام للمثقفين الكبار في المغرب. الى زمن قريب كان هذا الحلم قائملا، لكن لست أدري هل سيظل كذلك أم لا؟ لسبب بسيط هو أني اصبحت أبتعد،شيأ فشيأ، عن من علموني معنى العلم. علموني، أيضا، المغامرة في الحياة وتحقيق المستحيل فيها. هم أساتذتي وأصدقائي الطلبة في كلية الآداب بالرباط. ظروف اجتماعية ملعونة فرضت علينا الابتعاد عن بعضنا لزمن يطول أو يقصر، بعدما كنا لانفارق بعضنا في جلسات علمية وغير علمية بكلية الآداب وغيرها من الأماكن البسيطة بالرباط. لم نعد نلتقي كما كنا من قبل. وأصبحنا لا نجتمع مع بعضنا إلا في مناسبات اجتماعية أو جلسات علمية خاصة بمناقشات الأطروحات الجامعية أو جلسات أدبية أخرى. أغلب الأصدقاء الطلبة يشتغلون، إما في التعليم أو غير التعليم. المهم أنهم يشتغلون. يتأسفون لوضعيتي الاجتماعية الحالية. هم، طبعا، يعرفون أنني معطل عن العمل ومسجل مع مجموعة الشعلة للأطر العليا المعطلة. مسجل إلى جانب بعض الأصدقاء هم أيضا من كلية الآداب بالرباط. منهم من رافقوني في الدراسة ومنهم من عرفتهم بالصدفة. مع هولاء الأصدقاء الأطر الجدد أصبحت أحس بفرحة ممزوجة بيأس وخيبة أمل. نتبادل الأفكار. نناقش مواضيع مختلفة، سياسية وثقافية وعلمية. طبعا هي فرصة لا تتاح إلا لفئة قليلة من الناس. هم المعطلون. لكنها فرحة ممزوجة بيأس كبير. يأتيني كلما تذكرت عائلتي الصغير التي تنتظرني بصبر كبير، وأمل في الحصول على عمل أعيد لهم به بسمة وفرحة فارقتهم مند زمن بعيد.
أحيانا أسأل نفسي، سؤالا مخجلا. طرح علي أكثر من مرة. لماذا أخترت هذا المسار الملعون، لماذا اخترت أن أدرس ؟ لماذا أنا معطل دون غيري من الناس ؟ أو بصيغة أخرى لماذا نحن المعطلون فقراء، ولا نجد أحدا بيننا من أغنياء المغرب ؟ وزراء. قياد. عمداء وغيرهم. ربما أكون محقا إن قلت أن فقراء المغرب يلدون الفقراء وأن أغنياء المغرب يلدون الأغنياء.
شيأ فشيأ يزداد الألم والأمل. مرحلة جديدة سنعيشها في رمضان وبعد رمضان. أمل يحيينا وينعشنا الى حين الحصول على وظيفة في وقت قريب. ألم نحن من سيصنعه في ما تبقى من أيامنا في الرباط. أن لا نحصل على وظيفة في وقت قريب معناه الألم المضاعف. والألم المضاعف لا يمكن إلا أن يولد النظال المضاعف. نظال نتائجه نعرفها نحن المعطلون. وستعرفه السلطة إذا طال مقامنا في شوارع الرباط.

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire