vendredi 16 octobre 2009

الأطر العليا المعطلة والتحدي و الاستجابة

بقلم محمد علوي عضو مجموعة الشعلة
الرباط في:11-10-2009
استلهم "ارنولد توينبي" أسس نظريته في التحدي و الاستجابة من علم النفس السلوكي ، وراهن الاسباني "خوان غويتسولو" على القالب الروائي تفاديا للتيه في دروب التاريخ و منعرجات السياسة لينتفض في وجه الأنظمة العسكرتارية الممعنة في إفقار و إذلال شعوبها، فيما رمى "المهاتما غاندي" بحكمته الشهيرة في ضرورة مقاومة فساد لا يجب أن يكون نتيجة حتمية للديمقراطية لا سيما في المجتمعات الثالثية.
في الزمن الراهن، سيطرت فكرة الوحدة المستحيلة و الممكنة على نقاشات المعطلين، وكان من الطبيعي أن ينصب الاهتمام حول ضرورة تقديم قراءة متأنية لفكرة رهانها القفز عن أزمنة التفتيت و التفرقة ومواجهة آليات القمع و الأقنعة التي تسم وضعية معقدة أكبر من أن تنضبط لوحدة لم تبارح عرين أزمة الخطاب و لا امتلكت بوصلة العبور نحو الحقيقة و تجاوز خطاب الأزمة، غير أن مشاهد القمع والاستفزازالتي كانت العنوان الأبرز للأربعاء الأسود 07-10-2009 قلبت مستويات التحليل وسيناريوهات الكتابة بل و حتى آفاق التفكير، وهكذا قفزت المشاهد القمعية للمقدمة تاركة وراءها خطابات المعطلين و خذلانهم لخط الوحدة إلى حين.
لقد ظل السلوك الاحتجاجي للأطر العليا المعطلة موغلا في السلمية حتى في اللحظات الحرجة و المحطات العصيبة التي يمر منها ملف معضلة تساءل النسق المجتمعي برمته، وكان هذا السلوك ذاته لسان حال المعاناة الاجتماعية والنفسية مسوغا مركزيا للفاعل الرسمي في الدوس على الكرامة وكسر إرادة المطالبة بحقوق مشروعة وعادية بالنسبة لفئة اجتماعية تشكل أحد واجهات الفعل الثقافي، فيما تحول سؤال الوحدة إلى ما يشبه "حصان طروادة" الإغريقي الذي على ظهره تنكسر كل الرهانات، بيد أن ما وقع عشية الدخول السياسي كان يعطي الانطباع دون خجل على أن المقاربة الاجتماعية للمعضلة لا بد وأن تكون مفضولة بمقاربة أمنية تجتهد في تعميق الجراحات و لما لا المبالغة إلى حد التلذذ بالإذلال و الاهانة.
في الواقع، اعتادت الذهنية المغربية على التقويم بأزمنة متعددة منها الزمن الطبيعي، و إلى جانبه الدخول التربوي والثقافي، فيما النخب المهزومة ضبطت عقارب ساعتها و هي على أهبة الدخول السياسي، بعد أن كانت مجموعات المعطلين قد دشنت عهدتها الجديدة في أحضان الاحتجاج السلمي في شوارع الرباط، و لو أن التنقل من و إلى العاصمة المغربية عبر القطار بات في حكم المحظور، منذ أن راهن مختلف الفاعلون في محاولة يائسة على نقل معارك و مطالب المعطلين نحو وزارة النقل ومحطات القطار المتهرئة.
اجتمعت الملهاة والمأساة أو الكوميديا و التراجيديا في المشاهد المثيرة للتدخل الوحشي و الهمجي الذي قادته فيالق القوى الأمنية دون حرج وهي تنهال بالضرب المبرح و الكلام النابي و مصادرة الحريات علانية في حق أعضاء مجموعة الشعلة للأطر العليا المعطلة، لا لشيء إلا لكون المجموعة دائمة الإصرارعلى انتزاع حق مغتصب مهما كلف الثمن، الأمر الذي ولد إحساسا متزايدا بضرورة تسخير أجهزة متغولة ، تقف وقفة عنترية ولا تبالي بما تقوم به، وكأنها تواجه عدوا ضاريا أو عصابة إجرامية، متجاهلة أن سلوكها لو عرض على الخبراء في قانون الجريمة لأكدوا لها بالملموس أن التعاطي الأمني مع معضلة اجتماعية على درجة كبيرة من الحساسية لا يمكن إلا أن يقلب الوعود الكاذبة و الخطابات الديماغوجية على رؤوس أصحابها إلى حد الادانة والاستنكار.
لقد كانت للتدخل القمعي و الاستفزازي، إلى جانب الحصار والاحتجاز الأمني الذي جعل من معطلي الشعلة حائطا قصيرا لاستعراض العضلات، قراءات متعددة بعضها يشير إلى أن مجرد الاحتجاج السلمي بات في عرف العقلية التسلطية عنصرا مؤججا لعواطف و نزوات الأمنيين الجياشة في القمع و الاهانة في المغرب الحقوقي كغيره من مجتمعات العالم الثالث، فيما السلوك ذاته صار معطى محرجا للماسكين بخيوط الملف، إذ من خلال صور الاهانة يستطيع المتتبع للوضع المجتمعي العام أن يعيد طرح السؤال حول دواعي رتابة الأمور في مغرب بخصوصية تنموية غريبة الأطوار، سرعان ما تكشف حقائقها المخجلة تقارير المنضمات الدولية وهيئات قياس درجة التقدم والتنمية .
في مسيرتها النضالية كانت و لازالت مجموعة الشعلة للأطر العليا المعطلة وفية لخطها ونسقها الاحتجاجي، معتزة بمسارها و مؤمنة بعدالة قضيتها وحقها المشروع في الادماج الفوري و المباشر و الشامل في أسلاك الوظيفة العمومية وفق القرارات الوزارية والمواثيق الدولية، وبالتأكيد ما كان لها أن تكون رقما صعبا في معادلة الادماج و الكرامة لولا صمود أعضاءها و تضحياتهم الجسيمة في تحدي حقول الالغام و القفز على أزمة الاحباط و التماطل، وهذا ما لا يروق الكثيرين ممن يتجاهلون الحقيقة ويتآمرون على الحلم حتى ولو كانوا من دعاة الوحدة ، إذ كرست النقاشات الثنائية والمناقرات الالكترونية هشاشة البنية وبالتالي صعوبة الارتهان إلى مركب يحبذ التعامل الانتهازي مع الوحدة.
بكلمة، يمكن القول أن التحدي و الاستجابة خيط رابط للمعاناة و الاهانة في خطابات وتمثلات الفاعلين لنموذج المثقف و الإنسان الذي يريدونه مساوما بكرامته و مبادئه، مقايضا شرفه في أروقة الرشوة، وهو يسقط في شراك المحسوبية والزبونية من قبل ذوو الامتيازات...، أما دعاة الديمقراطية فقد تكون حسرتهم كبيرة بعد أن أيقنوا ضمنا أو صراحة أن القوى الاستعمارية نجحت في أن تبيع لمعظم دول العالم الثالث نموذجا تنمويا بمفارقات غريبة. وإلى اللقاء.

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire