jeudi 12 novembre 2009

أنفلونزا العطالة


طارق فتوح عضو مجموعة الشعلة
يُشاهد عمومُ الشعبِ المغربي إشهارا تحسيسيا في القناتين الأولى والثانية، يدعو المواطنين إلى اتخاذ كافة الاحتياطات في التعامل مع مرض أنفلونزا الخنازير H1N1، ويحذر كل من شعَرَ بأعراض المرض من حمى وعطاس متزايد، ألا يقترب من الناس ولا يصافحهم، والذهاب فورا إلى الطبيب لتشخيص حالته، ويَنصح بغسل اليدين بالماء والصابون عدة مرات في اليوم. فالوقاية خير من العلاج. ومع اتخاذ هذه الاحتياطات تقل نسبة المصابين ويُحدّ من انتشار المرض ويسهل تسييجه.

وتتخذ الدولة مع الدخول السياسي الجديد كافة احتياطاتها، إلى جانب الحملة الإعلامية، فرصدت ملايين من الدراهم لمحاربة الفيروس، وجندت أطرها، ووضعت مخططاتٍ استعجالية تستهدف جميع الفئات العمرية، خصوصا ونحن في فصل يساعد على انتشار الفيروس بطريقة مخيفة.

بهذا تكون الدولة على أهبة الاستعداد لكل طارئ، ومجندة لمواجهة كل مفاجأة، فهذا الفيروس عنوانه الوحيد المباغتة. هذا ما سمعنا وما نقلت إلينا وسائل الإعلام.

ومن بين الوزارات التي وضعت في مخططاتها برامج لمواجهة الداء، وزارة التربية الوطنية، التي جندت أطرها لغاية التحسيس. فالوزارة تضم بين أركانها فئة واسعة من التلاميذ، وعلى عاتقها مهمة صعبة إذا أدركنا حجم الفاجعة إذا ما تسرب الفيروس وسط هذه الفئة، لهذا فهي في وضعية لا يُحسد عليها.
وهذه الأيام نقلت وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة خبر انتشار المرض وسط عديد من المؤسسات التعليمية، وأصبحنا نسمع من أفواه الأطباء توجيهات للمصابين بالمعالجة في المنازل، فأين هي الاستعدادات والميزانية المخصصة لذلك؟

في البلد نفسه، يعاني عديد من الشبان المغاربة من داء أشد خطورة وأقوى فتكا بالمجتمعات، ويُلحق الضرر النفسي والمعنوي بالفرد، ويتطور إلى أن يصبح عضويا. فكم من مرض سببه الرئيس نفسي. هذا الداء أو الفيروس اسمه أنفلونزا العطالة.

أنفلونزا العطالة فيروس سريع الانتشار، لايصيب إلا حاملي الشهادات العليا، وينشط في كل فصول السنة، وعلى مر السنين. فكل سنة يتخرج من الجامعات أفواج من حاملي الشهادات العليا. وبتوالي السنين تزداد الأعداد وتتناسل، وتكثر الكفاءات في مختلف التخصصات.

يصيب الفيروس كل شاب (ة) صافحت يده شهادة عليا وتسلمتها، لا ذتب له إلا أنه اختار مسار إكمال الدراسة بعد الإجازة. فبمجرد تسلم الشهادة باتت أعراض نفسية تتسرب إلى جسده بعد اتساع دائرة الفراغ، ما ترتب عنه الشعور بالملل والكآبة. ولا يخفى على أحد منكم المآل الذي يؤول إليه الشخص المصاب إذا لم يُعالج منذ البداية. فمرحلة الشباب مرحلة مهمة في عمر الفرد، والميزة المميزة لها هي النشاط والحيوية، وبانعدامها يعيش الفرد خللا وعقدة يصعب حلّهما إلا بتوجيهها وإرشادها إلى ما هو خير، ولا خير إلا بالعمل الذي يُشعر الإنسان بالاستقرار والأمان.

هذا الشاب، الذي يحمل بين يديه شهادة عليا، اجتاز مجموعة من المباريات، وكما تعلمون فهذا البلد لا يعترف بالكفاءات، الذي سهر على تكوينها، بقدر ما يعترف بالمحسوبية والزبونية والحزبية، وواقعنا خير دليل، ثم إنه عمل في مدارس خاصة، لا تؤمن إلا بالاستغلال، وما يتقاضاه لا يكفي حتى حاجياته ومصروفه اليومي. ومع هذا كله ظل يكافح ويواجه مصاعب الحياة المتزايدة يوما عن يوم.

بعد ازدياد المعاناة، سمع الشاب بمركز يتجه إليه كل مصاب بأنفلونزا العطالة، يطالب فيه حاملو الشهادات العليا بحقهم في الإدماج المباشر والفوري في الوظيفة العمومية. هذا الحق يضمنه الدستور المغربي والمواثيق الدولية التي تنص على تشغيل كل فرد تحققت فيه الشروط، هذا المركز اسمه الاتحاد المغربي للشغل.

في هذا المركز يتجمع العديد من الشبان في جميع التخصصات ومن مختلف الجامعات الوطنية، وبمرور الوقت يزداد عدد الوافدين، وبهذا الازدياد تزداد المأساة، ومعها تتسع الهوة بين الضعيف والغني، الذي يملك حق اتخاذ القرارات الكبرى. وإغناء الغني وإفقار الفقير عنوان عريض يتخذه سياسيو هذا البلد، ويجسده بجلاء بلدنا السعيد.

تنضوي تحت هذا المركز مجموعة من المعطلين ينتظمون في مجموعات مختلفة وبألوان شتى. وكل مجموعة لها مكنب مسير، ويترأسها الكاتب العام، بعد انتخاب الجمع العام، ونتظمها قوانين داخلية. بالإضافة إلى المكتب هناك لجان متعددة لها مهام محددة (لجنة الضبط، لجنة الميدان، لجنة الإعلام، لجنة الحوار، اللجنة الطبية...) وتتعدد اللجان وفق منظور المجموعة وتصورها النضالي.
أما المجموعات فهناك مجموعة الشعلة، مجموعة الصمود، مجموعة الرابطة، مجموعة التجمع المغربي، مجموعة الحق، مجموعة الفتية، مجموعة النضال، مجموعة المستقبل...الخ.

هذا باختصار شديد الهيكلة التنظيمية العامة للمجموعات المعطلة والمرابطة في شوارع الرباط، ومن أراد التعرف أكثر فما على القارئ الكريم سوى زيارة المواقع الالكترونية لكل مجموعة على حدة، فهناك ستلامس عن كثب حجم المعاناة وما يقاسيه أصحاب الكفاءات من جراء التهميش من ناحية، ومن ناحية أخرى ما تخلفه الهراوى من توقيعات على جسد لا حول له ولا قوة، ذنبه الوحيد هو أنه يطالب بحقه المشروع في التشغيل.

ما أريد قوله هو على سياسيي الدولة وأصحاب القرارات أن يفكروا أيضا في هذا الداء(أنفلونزا العطالة) الذي يستشري في أبناء هذه الأمة بكل جدية ووضع حلول مسؤولة تقي شبان هذا البلد الويلات، فأنفلونزا العطالة في انتشار سريع، وكفاءات هذا البلد مهمشة ومحاصرة أمام قبة البرلمان.
وبالنظر إلى واقعنا فالأنفلونزا أنفلونزات تستشري وتنتشر بطريقة مهولة، ولايخيفنا منها إلاH1N1، وعوض معالجتها والتفكير فيها بروح مسؤولة نسعى إلى تهميشها وتفقيرها بل وقبرها في براثين النسيان، ولا نلتفت إليها إلا حين وقوع الكارثة. وما خفي في الأمة أصعب.

كما تعلمون فالخصاص في التعليم والقطاعات الأخرى بيّن وظاهر حتى للأعمى، وخير دليل على ذلك عدد المناصب التي جاءت بها ميزانية 2010 و المقدرة بأكثر من 27 ألف منصب، مع العلم أن عدد المعطلين 1600 معطل، فالعدد صغير جدا بالمقارنة مع العدد الضخم للمناصب في الميزانية.
فإلى متى ستستمر المعاناة والآلام؟ وإلى متى تستمر سياسة الهروب إلى الأمام؟

سؤال لا يجيبنا عنه إلا أصحاب القرارات، الذين يقدمون وعودهم بين الفينة والأخرى، لا لشيء إلا للتماطل والتسويف.

فعلا نحن في بلد المتناقضات بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وعلى جميع المستويات. نحن في بلد يقال عنه الأجمل في العالم والأغرب، أيضا، في العالم. وإذا كنت في المغرب فلا تستغرب، قولة يعرفها العامة والخاصة، وتناقلتها الأجيال عبر الأزمنة والعصور، فلا نملك إلا أن نقول لاحول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

طارق فتوح
الرباط في 31/10/2009

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire