بقلم: محمد علوي عضو مجموعة الشعلةalaoui.81@hotmail.fr
تسعى الأمم و تطمح الشعوب إلى بلوغ أقصى درجات التقدم في سلم التطور، قد يكون رهان البنية السياسية مجسدا للطموح المجتمعي العام، و قد تكون البنية الاقتصادية و الاجتماعية صمام الآمان و الحاضن الأهم لرهان النخبة السياسية، كما قد يحمل المثقف لواء التغيير لانقاد الطموح من الضياع، غير أن الطموحات و الآمال لا يمكن أن تتجسد بكل تأكيد في بيئة تختلف مقوماتها تماما عن المجال الطبيعي للتقدم، وخاصة إذا تعلق الأمر ببنيات تقايض الاستقلال بالتبعية، تراهن على الاستلاب أكثر مما تنشد التحرر، و فوق هذا وذاك تخشى المعرفة بدعوى الحفاظ على التقاليد المهددة.
في الواقع، لا يملك الإنسان وهو يتأمل الحكمة الصينية، و يتمعن بعمق في أسس المعجزة اليابانية، و درس "المهاتما غاندي" الزعيم التاريخي، في أنه لا داعي لمضاعفة الجهود إذا كانت السرعة تتم في الاتجاه المعاكس، إلا أن يقف مشدوها أمام واقع المجتمعات التابعة ، يتأسف لحالها، ولكنه مدعو للتساؤل عن دواعي العطب داخلها، و أسباب ملازمتها للمراتب الأخيرة في دليل التنمية البشرية ، حتى ولو جردت الأمور من تبعات وثقل الإرث الاستعماري و المآلات التي انتهت إليها حالة تلك المجتمعات، و هي تواجه لعقود استفزازات مسترسلة، كانت العنوان الأبرز لخطاب المركزية الأوربية.
في مغرب الألفية الثالثة، شهد النسق المجتمعي العام تسويقا منقطع النظير لشعار التنمية البشرية كفلسفة راهن الخطاب الرسمي خلالها على تلمس طرق محو العار الذي تحدثه صدمة التقارير الدولية حول مؤشرات التنمية بالبلاد،غير أن مفعول المبادرة لم يستطع أن يقلص الفجوة العميقة بين الفقراء و الأغنياء، و لا تمكن من إنصاف شرائح اجتماعية كانت و لازالت ضحية تهميش و إقصاء مقصودين، و فوق هذا وذاك لازال حظ الأطر العليا المعطلة معطى مؤجلا داخل المبادرة، ما لم تنتف العوائق البنيوية لإشكالية تشغيل حاملي الشهادات، إذ الفشل في تحقيق التنمية مرتبط استراتيجيا بضعف الاستثمار في الإنسان العنصر الفاعل في المجال.
تعبر وضعية البحث العلمي وحقوق الإنسان والمفارقات الغريبة التي تخترق مجال المجتمعات الثالثية... عن الارتباك الرسمي في معالجة المعضلات البنيوية المرتبطة بوجود وكرامة الإنسان في وطنه، و حيث سلطة الحكم في تلك المجتمعات لازالت وفية لعقيدة مكيافيلي السياسية في التسلط، ثمة تلازم وثيق بين المواطنة والتنمية كارتباط البحث العلمي بالحرية ، وتعثر البحث العلمي يفيد تلقائيا بضعف هامش الحرية و حضور السلوك الرقابي، فيما المواطنة تبقى دون معنى في غياب التنمية، تنمية القدرات أساسا واحترام الحقوق مبدءا ونبد سياسات الإقصاء والتهميش بنيويا.
داخل الحقل اللغوي، و حتى السوسيولوجي، يشكل الإقصاء و التهميش، القمع و الاستفزاز، التماطل و الإحباط النفسي حقولا دلالية لظاهرة الضياع الاجتماعي ، و في السياسة و الاقتصاد تشكل تلك الآليات ضوابط أساسية في تكريس الإخضاع و المراقبة، و في الذاكرة الجماعية للمعطلين تمثل تلك المتواليات حقول ألغام لقياس درجة الاهانة التي تتعرض لها فئة اجتماعية كانت ضحية سياسات مرتبكة طالت مجالات التعليم والتشغيل و غيرها من القطاعات الحساسة ذات البعد المحوري في بناء شخصية الإنسان . ومع ذلك لم يكن من بد في مواجهة معضلة العطالة إلا ركوب سفينة التحدي و الاستعاضة عن مؤثرات الانقياد الخاصة بتعاطي واقعي و خاضع لمنطق عقلاني يقدر حسابات الربح و الخسارة، بعيدا عن الإثارة والتهييج و الانفعالات العاطفية التي عادة ما تكون قالبا مؤطرا لشعارات نخب معينة تجاه جماهير محددة.
لقد راهنت مجموعة الشعلة للأطر العليا المعطلة في نضالاتها السلمية لتحقيق مطلبها الاجتماعي على إرادة أعضائها وقناعة مناضليها و فوق هذا وذاك على عدالة قضيتها و مشروعية مطلبها وكذا التعاطف الكبير الذي يبديه مجتمع مدني لا يملك إلا أن يستنكر الممارسات و الاستفزازات الأمنية التي تطال أعضاء المجموعة في معظم المسيرات السلمية .
في آخر محطة نضالية ( 11 يونيو 2009) خاضتها مجموعة الشعلة للأطر العليا المعطلة بشارع محمد الخامس بالرباط ، والى جانب التدخلات القمعية الرهيبة التي صارت أمرا مألوفا، استوقفتني صورة مستهجنة لشخص اعتاد على ارتياد المقاهي و التلذذ بمعاناة المعطلين، كيف لا وهو مصر على اعتبار السلوك الاحتجاجي السلمي عرقلة لسير المواطنين و اعتداءا على المارة وفوق هذا وذاك محاولة يائسة ومضيعة للوقت ، و كأن الإطار المعطل ليس مواطنا مغربيا، ممن رمت به تقديرات السياسيين والاقتصاديين في أوحال عطالة مكلفة، لكنها بكل تأكيد تشكل تجربة في مدرسة رفض متعلموها الخلاص الفردي و الارتماء في شراك لوبيات المحسوبية و الزبونية .
لقد كان الشخص المعني، و هو ينفي صفة المواطنة عن الأطر المعطلة، أحد الصور المعبرة عن البؤس الاجتماعي بتضايقه من السلوك الاحتجاجي السلمي، و أحد النماذج المؤصلة للمواطنة المغربية وليست مواطنة الثورة الفرنسية، وهو يتحدث عن مصلحة المواطن ضاربا بعرض الحائط الحقوق المشروعة لفئة اجتماعية تعتز بمغربيتها، لكنها تقاوم التهميش و الإقصاء الذي يطال ملفها، ورغم ذلك فالمجتمع المدني بمبادئه لا يمكن أن يكون مشتلا للنخب المهزومة، فيما المواطنة اكبر من أن تستوعب مدلولاتها تلك النخب، فبالأحرى أن تقف بجانب معطلين مكرهين تعبر وضعيتهم فيما يبدو عن عذابات الذاكرة الجماعية. الرباط في:14-06-2009