بقلم نجيم عماري عضو مجموعة الشعلة
لا يتأتى لنا فهم الواقع الاجتماعي والسياسي لبلادنا دون الرجوع إلى الماضي، والبحث عن جذوره التي ساهمت في تطوره سواء على المستوى السلبي أو الإيجابي.
كانت قضية التعليم في المغرب من القضايا التي استحوذت على قسط وافر من النقاش والجدال وسالت فيها الكثير من المداد منذ حصولنا على الاستقلال السياسي، لكننا اليوم مازلنا نصطدم بتخبط المنظومة التعليمية وعدم استقرارها وتعرضها في كل لحظة لإصلاحيات تبوء غالبا بالفشل، مما يفرض علينا طرح مجموعة من الأسئلة نعتبرها مشروعة مادامت الغاية منها البحث عن مكمن الداء.
لماذا وصل تعليمنا العمومي إلى الحضيض؟ من المسؤول عن ذلك؟ وهل باستطاعتنا إنقاذ هذا القطاع الحيوي؟ في الحقيقة تتناسل الأسئلة نظرا لأهمية هذا الموضوع، الأمر الذي يحتم علينا التجرد من أية إديولوجية أو توجه سياسي قد يعكر صفو هذا النقاش.
إن المتتبع للكرونولوجيا التاريخية لقطاع التعليم بالمغرب منذ "الاستقلال"، يقف عند محطتين رئيسيتين ساهمتا في إرساء النظام التربوي، تتمثل المحطة الأولى في سنة 1957 خلالها تم اعتماد المبادئ الأربعة (مبادئ محمد الفاسي) وهي: التعريب، المغربة، التعميم، والتوحيد. ولا شك أن أهداف هاته المبادئ وغاياتها سياسية محضة، أملتها أطراف سياسية في خضم صراعها حول السلطة والجاه، دون استشارة مختلف مكونات الشعب المغربي.
أما المحطة الثانية مع بداية الألفية الثالثة، ستشرع الدولة في تطبيق ما يسـمى ب "الميثاق الوطني للتربية والتكوين" الذي رصدت له الكثير من الإمكانيات المادية واللوجيستيكية، وقبل انتهاء فترة تطبيقه خلال العشرية الأولى يطفح في الأفق ما اصطلح عليه ب "المخطط الاستعجالي"، ولتغطية فشل الإصلاح تم تبريره بتسريع وثيرة هذا الأخير.
لكن السؤال المطروح، ما هو واقع التعليم ببلادنا بعد هذه الإصلاحات؟
أضحت الجامعات المغربية مكانا لتفريخ العطالة وسبيلا لإغراق الشوارع العمومية بأفواج من المعطلين، في ظل غياب أية مقاربة لربط هؤلاء بسوق الشغل.
وليست المدارس والثانويات في أحسن حال، فمجملها يفتقر لأدنى شروط التحصيل العلمي، ولسنا بالمغالين إذا قلنا أنها تشكو حتى من غياب المراحيض لإرضاء الحاجيات البيولوجية للمتعلمين، إذن كيف سيكون المستوى العلمي لهؤلاء التلاميذ والطلبة؟ يعاني جل متخرجي الجامعات المغربية من عدم إتقان اللغات سواء اللغة العربية أو اللغات الأجنبية، وغالبيتهم لم تمسك يداه فأرة الحاسوب طيلة مساره الدراسي، في وقت يعيش فيه العالم ثورة تكنولوجية وعولمة معلوماتية.
أما تلاميذ المدارس والثانويات فلهم معارف واسعة ليس من الناحية العلمية، بل حول المغنيين ولاعبي كرة القدم، ناهيك عن أطوار المسلسلات المدبلجة المدعومة من إعلامنا الرسمي المساند للتوجه الشبابي (الميوعي).
كما هو معلوم، يساهم التعليم بشتى أنواعه في تكوين النخب والمسؤولين عن تسيير دواليب الحكم في أي بلد، فهل يستطيع تعليمنا العمومي تحقيق ذلك في ظل الأزمة التي يتخبط فيها ومع وجود تعليم منافس من نوع خاص، يمثله أبناء الأغنياء والعائلات المبجلة والمحظوظون الذين يفضلون استكمال دراستهم في الدول المتقدمة باقتناعهم من هزالة مستوى تعليم بلدهم الأم؟
تبقى الإجابة عن هذا السؤال (الإشكالية) عالقة إلى حين، هما يتطلب منا فتح نقاش واسع تشارك فيه كل مكونات المجتمع المغربي بعيدا عن كل مزايدات سياسيوية وخدمة للصالح العام، علنا نستطيع بلورة تصور واضح حول مستقبل التعليم ببلادنا.
Najim_ammari@hotmail.fr


